مقالات القدس
العودة إلى المقالات
أرض المقاع وكبانية أم هارون: تاريخ وصراع في قلب الشيخ جراح
قرى ومدن - جغرافية

أرض المقاع وكبانية أم هارون: تاريخ وصراع في قلب الشيخ جراح


تقع “أرض المقاع”، وهي وقف إسلامي تاريخي، وجزء منها يُعرف بـ “كبانية أم هارون” في قلب حي الشيخ جراح   . هذه المنطقة التي شهدت أحداثًا تاريخية وقانونية معقدة على مر القرون

 جذور الوقف وأصل التسمية

حي سكني يقع في الطرف الغربي من حي الشيخ جراح في القدس .

تعود ملكية ارض المقاع الى الاخوين (محمد وابراهيم ولدي معو الصغير السعدي ) بنسبة سبعة عشر قيراطا بموجب حجة وقفهما المؤرخ في سنة 1229ه , شراكة (سليمان درويش حجازي السعدي) بحصة سبعة قراريط , كامل الاربعة والعشرين قيراطا ملكا عن طريق الشراء منذ عام 1961 ميلادي 

تُعرف “أرض المقاع”، أو “أرض النقاع”، بأنها وقف إسلامي تاريخي يقع في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة. تعود جذور هذا الوقف إلى أوائل شعبان سنة 1029 هـ، الموافق 1620 ميلادي، حيث قام الشيخ عبد القادر بن أحمد بن داود المقدسي بوقف هذه الأرض. كانت الأرض في ذلك الوقت تضم كروم عنب وأشجار زيتون، بالإضافة إلى صهريج لتخزين مياه الأمطار، مما يدل على طبيعتها الزراعية وأهميتها الاقتصادية .

تُعرف هذه الأرض أيضًا باسم “أرض الجرّاحية”، نسبةً إلى الشيخ جراح نفسه، وهو ما يؤكد ارتباطها الوثيق بتاريخ الحي. وتبلغ مساحة الوقف الإجمالية حوالي 12 دونمًا، وتشكل جزءًا حيويًا من النسيج التاريخي والجغرافي للمنطقة .


أما “كبانية أم هارون”، فهي تسمية أُطلقت على جزء من “أرض المقاع”، تُشكل “كبانية أم هارون” الجزء الغربي من حي الشيخ جراح، وتحديدًا على مساحة تقدر بثمانية دونمات وهي المنطقة التي أصبحت فيما بعد محور النزاع القانوني والسياسي .. ظهرت هذه التسمية حوالي عام 1310 هـ (1893 م)، قام متولي  الوقف المدعو عبد ربه بن خليل بن ابراهيم بتاجير الارض وباذن شرعي على طريق التحكير لمدة تسعين عام (اجارة طويلة الامد ) لشخص يهودي يدعى يوسف بن رحاميم ميوحاس على ان يدفع المحتكر اجرة رقبة الارض (الحكر السنوي) للمحكر تنتهي هذه الاجارة بتاريخ 1400 هجري . وقد عُرفت هذه المنطقة أيضًا باسم “كوبانية سارة” .

حيث سجلت الارض المحكرة في دائرة الطابو التركي باسم الوقف كمالك للارض  وسجل المحتكر كمنتفع بالارض يحق له الانتفاع بها بالبناء والزراعة كما يحق له التصرف بما هو على الارض كتصرف المالك طالما التزم بسداد اجرة رقبة الارض ودفع قيمة الحكر السنوي . حيث انتهت فترة الاجارة طويلة الامد سنة 1400ه الموافق بداية الثمانينيات من القرن المنصرم و بدأ الحراك من قبل المرحوم سليمان حجازي ومتولي الوقف الجديد يحيى زكريا عبد ربه من اجل استعادة ملكية رقبة الارض 

معاناة اهل الحي في الحقبة التي سكنوا بهذه البيوت تحديدا كبانية ام هارون 

حيث وبعد  نكبة عام ١٩٤٨ غادرت العائلات اليهودية التي كانت تسكن في الوحدات السكنية في الحي وتولت الحكومة الاردنية ادارة هذه المنازل القديمة  من خلال دائرة حارس املاك العدو.

من عام ١٩٥٢ قامت الدائرة المذكورة بتاجير عائلات فلسطينية لاجئة من قرى القدس الغربية بعقود ايجار  سنوية باجرة رمزية ٢-٤ دنانير سنويا

وقد استمر هذا الحال حتى عام ١٩٦٧ حين احتلت اسرائيل القدس الشرقية (خلال حرب ما يدعى الايام الستة )

عام ١٩٧٢ قامت سلطات الاحتلال بالتوجه للسكان المقيمين في الحي ( الكبانية) مطالبتهم بدفع الاجرة الى دائرة القيم الاسرائيلي وهي الوصي على املاك اليهود قبل عام ١٩٤٨. وليست كما يتم التداول به خطأ انها حارس املاك الغائبين لان الاخيرة تتولى ادارة املاك الفلسطينيين الغائبين خارج الوطن.

لقد تم اعتبار السكان الذين احتفظوا بعقود الايجارالاردنية في الحي كمستاجرين  محميين بحيث تدفع الاجرة السنوية المحمية الى دائرة القيم الاسرائيلي

منذ ذلك الحين ولغاية الان فقدت العديد من العائلات حق الحماية من خلال اساليب الخداع التي استخدمها موظفو الدائرة المعنية حيث تمكنوا من توقيع بعض المواطنين على اوراق باللغة العبرية تفقدهم حق الحماية دون علمهم بمحتويات هذه الاوراق , لانهم لا يجيدون اللغة العبرية وثانيا تم التركيز على كبار السن مستغلين عدم معرفتهم بالامور القانونية ,كما ان الدائرة المعنية اعتبرت اي ترميم او تغيير او صيانة في المأجور سببا لافقاد الحماية ,و قد بدأ صراع قانوني بين عائلات الحي ودائرة القيم في محاولة لاخلاء العائلات من خلال مبررات عدة منها اجراء بعض الصيانة للبيوت المتهالكة ,او من خلال الطعن في عقود الايجار مما جعل من الصعب على هذه العائلات من توفير محامين ذوي كفاءة للترافع عنهم مقابل عدة محامين مثلوا الطرف الاخر وهذا ادى الى سلب حق الحماية من عدة مواطنين في الحي وتم توقيعهم على عقود ايجارة غير محمية لمدة سنتين وكل مرة يرفعون الاجرة الشهرية عند التجدي بنسب مئوية باهظة حيث وصلت الاجرة الشهرية ما بين ٢٥٠٠-٤٠٠٠ شيقل وهذا عبء كبير على هذه العائلات وتعتبر من الضغوط لتهجيرهم من الحي ,المشكلة التي فاقمت الوضع ان دائرة القيم اصبحت تقوم بتحرير الوحدات السكنية لصالح اليهود الذين كانوا يقيمون بها قبل عام ١٩٤٨ او لورثتهم , دون الرجوع للعائلات التي تسكن في هذه البيوت وبذلك اصبح علاقة المستاجرين العرب مع مستوطنين بدلا من الدائرة الحكومية (دائرة القيم)

وهؤلاء الملاكين الجدد استرجعوا البيوت دون وجه حق لانهم وحسب الاراء القانونية من المحامين تم تعويضهم اصلا من الحكومة الاسرائيلية بعد عام ١٩٤٨ لكن هذا يظهر مدى التواطؤ بين الدوائر الاسرائيلية والمستوطنين بهدف زيادة الضغط على المواطنين لتهجيرهم من الحي

هناك مخططين تخص المنطقة ( الكبانية)  ، الاول بناء معهد ديني للحريديم على جزء من ارض الحي مقابل مسجد الشيخ جراح تم الاعتراض عليه من قبل سكان الحي وان كانت النتائج غير مضمونة

الثاني اقامة مشروع بنايات شاهقة واسكانات ومرافق على انقاض بيوت الحي ( الكبانية) وتم قطع شوط كبيرفي الاجراءات علما ان اهالي الحي تقدموا باعتراض ايضا من خلال المحامين

الخلفية القانونية و المزاعم الاسرائيلية 

اصدرت المحكمة العليا الاسرائيلية يوم 26/9 /2010 قرار ردت فيه بالاستئناف الذي قدم من قبل المالكين (وقف عب ربه مع سليمان درويش حجازي) لارض المقاع حاملة رقم 1 من حوض 30821 و المعروفة بالحي السكني كبانية ام هارون , هذا الاستئناف الذي قدم على قرار المحكمة المركزية الذي اصدره القاضي موشي رفيد في 13/9/2006 والمعروفة بقضية الاراضي 97/2 حين رفض تسجيل القطعة باسمائهم واصدر قرار بتسجيلها باسم مواطنين يهود كانوا قد استاجروا من المدعو يوسف بن رحميم ميوحس .

لاقرار ملكيتهم للاراض المذكورة قدم متولي الوقف وقف (عبد ربه) وثيقة الشراء التي اصدرتها المحكمة الشرعية سنة 1222هجري . والوقفية التي صودق عليها من المحكمة الشرعية سنة 1229هجري  والاذن  الشرعي الذي سمح لمأمور الوقف بتحكيرها (تاجيرها لمدة طويلة ) والعائد لسنة 1310 هجري. كما ابرزوا وثائق انتدابية وايصالات تثبت بدل دفع الحكر لمأمور الوقف تعود لسنوات الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي .

لكن المحكمة العليا رفضت الاستئناف حيث اقرت ما جاء في قرار المحكمة المركزية حين لم تاخذ المحكمة المركزية بالوثائق المقدمة من قبل الواقف وشريكه حيث لم تفحص هذه الوثائق من قبل الشرطة الاسرائيلية لاقرار كونها حقيقية كما طلبت في حينه .

الوثائق الاصلية ابرزت امام المحكمة بوساطة موظفي دائرة الاوقاف الاسلامية التابعة للمحكمة الشرعية في القدس . وبقيت في المحكمة حيث عاينها القاضي ومحامي النائب العام والمواطنين اليهود ولم يبدوا اي تحفظ عليها ولم يطلبوا فحصها من الشرطة . كما ان صورة مصدقة لهذه الوثائق احضرت من دائرة تسجيل الاراضي في الاردن وصودق عليها من السفارة الاسرائيلية في عمان حسب الاصول و تم ابرازها للمحكمة . وبعد ان فرغت المحكمة المركزية من سماع القضية طلب القاضي الاتاحة لشرطة اسرائيل لفحص الاوراق في دائرة الاوقاف . دون ان يقدم له طلب من الفرقاء . الا ان  دائرة الاوقاف رفضت الطلب لكون الاوراق تخص المئات من سكان القدس, ولا يمكن المس بها ونقلها الى الشرطة دون اذنهم . والقرار الذي اصدره القاضي في حينه يشتم منه ان دائرة الاوقاف تعمل على فبركة وثائق وتزييفها . عدم نقل الوثائق من المحكمة الى الشرطة لفحصها ادى الى رد طلب الملكية في المحكمة المركزية ولاحقا ردها من قبل المحكمة العليا .

هناك اعترافات واقرارات من قبل المواطنين اليهود الذين شغلوا ارض الحي قبل عام 1948م بانهم غير مالكين للارض , وان حقوقهم اصلا الت اليهم من قبل موشي بن رحميم ميوحس الذي قام باستئجار الارض من الوقف لمدة 90 سنة هجرية والتي انتهت عام 1979م . والوثائق المذكورة كانت بحوزة مكتب تسجيل الاراضي الاسرائيلي المحلي .

رغم كون المواطنين اليهود مستاجرين لهذه الارض اصدرت المحكمة قرارها بانهم اصحاب ملك لرقبة الارض وما عليها رغم الوثائق التي تشير غير ذلك .

قام قضاة المحكمة العليا بصياغة قرار يتلاءم مع الوثائق التي قدمت من قبل المدعى عليهم , متجاهلين وثائق الوقف رغم انها تثبت حق الوقف وشريكه في رقبتها . كما ان هناك وثائق عثمانية تدعم طلب الوقف المذكور.

ما جاء في وسائل الاعلام ان المحكمة اصدرت قرار باخلاء الاهالي والعائلات العربية التي تشغل الحي وتسكن المباني القائمة فيه عار عن الصحة ولا يمت للحقيقة بصلة , حيث ان الاهالي يشغلون الحي كمستأجرين يسري عليهم قانون حماية المستأجر بناء على اتفاقات عقدت مع حارس الاملاك العامة الاسرائيلي ومن قبل 1967م مع حارس املاك العدو الاردني . واذا قام الاهالي بنقض اتفاقية الايجار والاستئجار مع حارس الاملاك العامة وعدم دفع بدل الايجار  من الممكن ان يتقدم حارس الاملاك العامة او من يحل محله بطلب لاحلاء العائلات المذكورة .

كما ان القرار الذي اصدرته المحكمة العليا يكشف حقيقة الية تعامل القضاة الاسرائيليين بحق الفلسطينين في القدس والالية التي يتم فيها نزع ملكية العقارات .

النزاع الحالي والتطورات القضائية

تُعد قضية “أرض المقاع” و”كبانية أم هارون” في حي الشيخ جراح تجسيدًا حيًا للنزاع على الأرض في القدس المحتلة. إنها قصة وقف إسلامي تاريخي، تحول إلى بؤرة صراع قانوني وسياسي معقد، حيث تسعى الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية، بدعم من القوانين والإجراءات الإسرائيلية، إلى تهجير العائلات الفلسطينية من منازلها. ورغم المحاولات الإسرائيلية لفرض سيطرتها وتغيير الواقع الديموغرافي والقانوني في الحي، فإن الصمود الفلسطيني، المدعوم بالوثائق التاريخية والقانون الدولي، يظل حجر الزاوية في هذه المعركة المستمرة. كما ان حي الشيخ جراح ليس مجرد منطقة جغرافية، بل هو رمز للصراع على الوجود والهوية في القدس .


المصادر 

Poica.org

ورقة حقائق حول قضية الشيخ جرّاح - القدس المحتلة (وقائع واستخلاصات قانونية) - القانون من أجل فلسطين 

قضية ارض المقاع للمحامي احمد الرويضي 

https://www.ochaopt.org/sites/default/files/ocha_opt_the_humanitarian_monitor_2013_03_25_arabic.pdf 

 https://www.hr.ps/news/90811 

الرسالة

الجزيرة موسوعة ( حي الشيخ جراح)