الخلايلة في بيت المقدس... تعلق بالمقدسات و صمود سكاني .
هناك ارتباط تاريخي واقتصادي وإداري بين القدس والخليل، فالمسافة بينهما لا تتجاوز 35 كم تقريباً، كما أن هناك تاريخاً مشتركاً، وأهمية دينية، ومصاهرة، وتحالفات سياسية وعائلية، وعلاقات اقتصادية، فلا معنى للحدود الفاصلة بين المدينة وعمقها ومحيطها الريفي ,عرفت مدينة القدس عبر التاريخ العديد من الحضارات والجوالي والجماعات المهاجرة.
تعرضت مدينة القدس عبر تاريخها لكثير من الحروب والتقلبات الاجتماعية والسياسية، وحتى التقلبات اللغوية . ومنها الهجرة التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لعبت دوراً مهماً في تحديد شكل المدينة ومستقبلها السياسي والتاريخي والاجتماعي، ومن هذه الهجرات هجرة العائلات الخليلية إلى القدس أو مَن بات أفرادها يُعرفون بـ "خلايلة القدس" . وانعكس ذلك على الطابع الديموغرافي، والمشهد والحياة الثقافية في القدس . الهجرة كانت في عشرينيات القرن الماضي بعد الحكم العثماني، إذ حدثت موجات هجرة كبيرة من الخليل إلى القدس، ولا سيما بعد تزايد الهجرة اليهودية واستفحال المشروع الصهيوني، فضلاً عن تعاظم الصراع بين العائلات والأحزاب الوطنية العربية، وشعور بعض القيادات بالخطر الصهيوني، والذي تُوِّج بدعوة بعض القيادات العربية إلى النفير، وخصوصاً المفتي أمين الحسيني الذي دعا العائلات الخليلية تحديداً إلى القدوم والسكن في القدس من أجل حمايتها من مخططات التهويد، واستجاب اهل الخليل لتلك العوة وسكنوا المدينة الى جانب اهلها الاصليين المسلمين والمسيحيين وساهموا باعادة تشكيل المدينة ديمغرافيا, بعد أن زادت الاضطرابات بين العرب واليهود. وأدى "خلايلة القدس" دوراً مهماً في الأحداث السياسية، وبرز منهم كثيرون من القيادات التي قامت بدور محوري في معارك القدس ومختلف الثورات الفلسطينية، ولا سيما أنهم يشكلون قوة سكانية واقتصادية لا يستهان بها.
الظروف التاريخية
ارتبطت هجرة العائلات الخليلية بمجموعة من العوامل التي ساعدت في تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية والعائلية في مدينة القدس في أواخر العهد العثماني ومنها :
انعدام الأمن والاضطرابات والصراعات المحلية تأثرت مدينة الخليل بصورة عامة بعدة أحداث مهمة جعلت من المدينة مسرحاً للصراعات والنزاعات المزمنة. ومن هذه الأحداث: الصراع بين التميميين والأكراد؛ الصراع القيسي اليمني؛ الصراع مع الحركة الصهيونية فيما بعد؛
الحداثة العثمانية
حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نهضة عمرانية وفكرية في المدن العربية، ومنها القدس
تطور الأسواق ونموها
عرفت الأسواق التجارية في القدس مراحل مدّ وجز تغيرت البنية الهندسية والاقتصادية والوظيفية لهذه الأسواق، فالأسواق موجودة تاريخياً في داخل البلدة القديمة، وتمددت مع تمدد الأحياء في القدس الجديدة خارج الأسوار،
نمو الأحياء خارج الأسوار
تُعتبر الأماكن الدينية نقطة جذب أساسية للسكان وللجماعات المهاجرة ، والقدس مركزاً دينياً لأصحاب الديانات الثلاث, شهدت المدينة في الفترة العثمانية المتأخرة بناء أحياء جديدة لليهود والعرب, وازدهار الاقتصاد والأمن في المدينة، ادى لبروز طبقة وسطى، وطبقة من الصناعيين والتجار والعمالة الوافدة من القرى والأرياف المحيطة، وخصوصاً من الخليل .
الموقع الجغرافي وتطور طرق المواصلات
ساعد الموقع المركزي للقدس، والتطور في المواصلات في الفترة العثمانية المتأخرة وفي عصر الانتداب، في إحداث نهضة اقتصادية وتطوير السكك الحديدية والموانىء إلى ازدياد عمليات التبادل التجاري والسياحة ادت الى تحسين الأوضاع الاقتصادية في القدس.
السبب الرئيسي لهجرة اهل الخليل الى القدس وتواجد "الخلايلة" بنسبة تتجاوز الـ50% من سكان مدينة القدس هو تزايد الهجرة اليهودية والاستيطانية الى المدينة.
حيث دارت محادثات سرية بين رئيس بلدية الخليل محمد الجعبري و المفتي العام للقدس أمين الحسيني على اعتبار أن القدس والخليل كانت لواء واحد ، يطلب بها الحسيني من رئيس بلدية الخليل محمد الجعبري بأن يهبوا الى انقاذ القدس "البلدة القديمة" من تغلغل المستوطنين – حقبة الانتداب الابريطاني- الى البلدة القديمة والاستيلاء على المنازل التي كان معظمها فارغا بمساعدة البريطانيين.
وما كان على أهل الخليل وسكانها الا أن هبوا لنصرة مدينة القدس حتى اصبحوا جزءا لا يتجزء من نسيجها الاجتماعي.
وبحديث آخر :" في اﻻربعينات من القرن الماضي شعر الحاج أمين الحسيني بخطر على عروبة القدس ﻻن العائﻻت المقدسية بدأت بالنزوح عن المدينة، فلجأ الحسيني لمدينة الخليل كونها اكثر المدن كثافة سكانية وعرف عن رجالها بالبنية القوية وشجع اهلها ﻻرسال اطفالهم الى القدس للعمل بها"
وبالفعل تم ارسال مئات اﻻطفال من عمر10-15عام، وهناك عملوا بالمحلات التجارية- كأجير- والخليلي بطبعة تاجر فكان يطلب من صاحب المحل الذي يعمل لديه- ان يسمح له بوضع "بسطة" كعك أو حلويات- وهكذا مضى العمر واصبح الاجير تاجر وصاحب محال- وفي حينها خرج المقدسي لمدينة اريحا، رام الله واﻻردن.
ومن هنا نجح الحاج امين بالمحافظة على عروبة القدس، ولهذا اكثر من 90% من سكان البلدة القديمة بشكل خاص تعود اصولهم لمدينة الخليل".
ويعتقد المؤرّخ الفلسطيني محمد ذياب أبو صالح أن الخليل ترفد القدس في جميع حقب التاريخ، وهي بوابة القدس، ولا تُفتح القدس إلا من جهة الخليل، لافتا إلى أنّ أهالي الخليل أدركوا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أنّ مدينة القدس مستهدفة من الصّهيونية العالمية، فانتقلت إليها مئات العائلات الخليلية وسكنت فيها، وأصبحت النّسبة الأعلى من المدينة المقدّسة من الخليل.
وفي الثورة الفلسطينية عام (1936) ضد الانتداب البريطاني قاد كثيرون من أبناء الخليل هذه الثورة ضدّ الاحتلال، وذهب منهم كثيرون شهداء، من بينهم عطّا الزير، ومحمد جمجوم .
عقب حرب 1948،كان على الفلسطينين مقاومة أيّ نوع من التقارب بين العرب وإسرائيل وخاصة في مدينة القدس،الذي قد يسفر عن تسوية غير عادلة للقضية الفلسطينية؛ ومقاومة محاولات توطين اللاجئين. تمكنت القوات الصهيونية من احتلال 66.2% من المساحة الكلية لمدينة القدس عام 1948م ، وبقيت البلدة القديمة بحوزة العرب"مقدسيين وخلايلة" حتى عام 1967م، وكانت هناك مقولات صهيونية يرددها المستوطنون في حينها : "إن أقدامنا تقف عند أبوابك يا قدس، يا قدس بقيت موحدة".
ما بعد الـ 1967، وتضيق الخناق
رزحت مدينة الخليل تحت الاحتلال الإسرائيلي ، حيث احتلت" إسرائيل" مدينة الخليل بتاريخ 5/6/1967، ومنذ ذلك التاريخ شرع المستوطنون اليهود بالاستيطان في محيط المدينة ثم في داخلها.
وبعد اقامة مستوطنة في قلب المدينة ولاجل حرية حركة المئات القلائل من المستوطنين اختارت" إسرائيل" سياسة رسمية مميزة ضد السكان الفلسطينيين في المدينة، كما أدت هذه السياسة إلى انهيار الاقتصاد وسط مدينة الخليل ونزوح واسع للسكان الفلسطينيين. أصبحت المدينة مهجورة ، والمحلات التجارية مغلقة تم إغلاقها خلال الانتفاضة الثانية، و منها جرى إغلاقها بأوامر عسكرية.
السبب الرئيسي الثاني لتواجد الخلايلة في مدينة القدس دوناً عن غيرها من المدن الفلسطينية ,خلال عملية الاحصاء التي قامت بها سلطات الاحتلال لأول مرة في مدينة القدس بعد نكسة الـ67، تم احصاء كافة المتواجدين داخل مدينة القدس وبالاخص البلدة القديمة وتسليمهم الهويات"المقدسية" وادراجهم على انهم "مواطنين" في مدينة القدس، والغالبية العظمى كانت للتجار الخلايلة.
انتشار الخلايلة في احياء القدس
في بداية العام 1990 بدأ انتشار الخلايلة بين احياء وبلدات القدس بكثرة، وذلك بسبب التوسع الطبيعي، وبحيث أن بيوت البلدة القديمة صغيرة نوعا ما، انتقل معظم الخلايلة الى سلوان، الرام بيرنبالا، العيزرية، بيت حنينا وشعفاط.
التجارة
امتاز اهل الخليل في التجارة والحرف الصناعية – حيث انهم امتازوا بصنع الاحذية و الحلوى و الملابس- ، لذلك استطاعوا تشكيل قوة اقتصادية مؤثرة في مدينة القدس، وخاصة أنهم يعتبرون من اصحاب رؤوس المال من جهة و أكاديميون من جهة أخرى.
اذن نرى أن كثافة تواجد اهل الخليل و قاعدتهم الرأسمالية استطاعوا مرة أخرى الصمود في وجه المحتل.
ابرز العائلات الخليلية التي سكنت القدس
عائلة التميمي والذين أشير إليهم أحيانا بطائفة الدارية، والتي تفرعت عنها بعض العائلات، مثل الصاحب، شاور، حجازي , ابو صبيح، ابو غربية ، أبو عرفة، النتشة، الفاخوري، الجعبري، العسيلي، البكري، الرجبي، الأشهب، الرازم، الزرو، القيمري، سنقرط، القواسمي، الشويكي، الشرباتي، أبوسنينه، الجعبة والأنصاري والجولاني، سلهب، السلايمة، جابر، صندوقة، امريش، الشعراوي، طه، دعنا ، نيروخ، سياج، طهبوب، عابدين، ادكيديك و الدويك .
العائلات الكردية ويسكن أغلبيتهم اليوم في مدينة الخليل بشكل خاص، والبقية في مدن فلسطين الأخرى. والأسرة الأيوبية الكبرى تضم العشائر والعائلات الكردية الآتية: أبو خلف، وصلاح، والهشلمون، وطبلت، وجويلس، والبيطار، وحمور، وزلوم، وحريز، والربيحية، والبرادعي، واحمرو، والجبريني، وامحيسن، وأبو زعرور، وعرعر، وصهيون، والحزين، وبرقان، وسدر، وفخذ أبو سالم/ مرقه، والمهلوس، ورويشد، وأبو الحلاوة، والحشيم، ومتعب، وقفيشة. وكانوا يشكلون حوالي نصف أو ثلث سكان مدينة الخليل.
المصادر
معرفة -هجرة الخلايلة الى بيت المقدس
الملتقى الفلسطيني -هجرة الخلايلة الى بيت المقدس