الشارع الأميركي الالتفافي في القدس.. أداة استعمارية لتوسيع السيطرة وفرض العزل
يقع مشروع الشارع الأميركي الالتفافي في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة القدس، ويمتد على مساحة تُقدّر بـ382 دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع)، مخترقا أحياء فلسطينية وصولا إلى حاجز الزعيم شرق المدينة.
يهدف المشروع إلى ربط المستوطنات المحيطة بشرقي القدس ببعضها البعض، ضمن مخطط استيطاني استراتيجي لعزل المدينة عن امتدادها الفلسطيني. يتضمن المشروع إنشاء شبكة طرق وأنفاق وجسور، إلى جانب مجمعات سكنية وتجارية وصناعية ضخمة. وتُنفذ مراحله على ثلاث مراحل، بدعم مباشر من حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية.
الموقع
يقع مشروع الشارع الأمريكي الالتفافي في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة القدس، ويمتد من حاجز "مزموريا" قرب بيت لحم مرورا بأحياء فلسطينية مثل أم طوبا، صور باهر، الشيخ سعد، جبل المكبر، سلوان، حتى يصل إلى حاجز "الزعيم" شرق المدينة. يهدف المشروع إلى ربط المستوطنات المحيطة بشرقي القدس ببعضها البعض، وفرض طوق استيطاني يعزل المدينة عن امتدادها الفلسطيني في الجنوب والشرق، ضمن مخطط استراتيجي واسع يخدم أهداف الاحتلال في التوسع والضم.
التسلسل الزمني لمشروع الشارع "الأمريكي"
في فترة الحكم الأردني، وضع المعماري هينري كيندل تصورا لشارع يربط بين بيت لحم والخليل والقدس، كبديل لشارع الخليل الذي أصبح تحت سيطرة الاحتلال بعد نكبة 1948.
عام 1966، انطلقت أولى خطوات تنفيذ المشروع بتمويل من الحكومة الأمريكية، ما أدى إلى تسميته لاحقا بـ "الشارع الأمريكي".
في عام 1967، ومع احتلال القدس، توقفت أعمال البناء، لكن المشروع لم يُطوَ، بل ظل حاضرا في الخطط الإسرائيلية.
عام 1996، أُعيد إدراج الشارع ضمن المخطط الهيكلي لمنطقة عرب السواحرة، هذه المرة كشارع محلي يخدم التجمعات القروية.
عام 2001، صادقت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال على أول مخطط تفصيلي للمشروع. وفقا لهذا المخطط، سيؤدي تنفيذ الشارع إلى مصادرة ما يقارب 1070 دونما من أراضي القدس، مع هدم عدد كبير من المنازل والمنشآت التجارية، وتهديد عقارات أخرى بالإخلاء.
مراحل تنفيذ الشارع الأمريكي الالتفافي
يُشق الشارع الأمريكي في الجزء الجنوبي الشرقي من مدينة القدس، في خطوة تهدف إلى عزل المدينة بشكل شبه كامل عن القرى والبلدات الفلسطينية الواقعة جنوبها، خاصة بيت لحم ومحيطها. وقد قسّم المشروع إلى ثلاث مراحل، يبلغ طولها الإجمالي نحو 12 كيلومترا:
المرحلة الأولى: تبدأ من حاجز "مزموريا"، الواقع قرب قريتي النعمان والخاص الفلسطينيتين، وتمتد حتى حي الشيخ سعد، مرورًا بأراضي قرى صور باهر وأم طوبا.
المرحلة الثانية: تنطلق من حي الشيخ سعد وتنتهي في منطقة عين اللوزة ببلدة سلوان، وتشمل إنشاء نفق يخترق باطن الجبل.
المرحلة الثالثة: تبدأ من مدخل النفق في عين اللوزة، وتمتد باتجاه مستشفى المطلع وجبل الزيتون، عبر نفق أسفل الجبل، لتصل في نهايتها إلى الحاجز العسكري في بلدة "الزعيم" شرق القدس، حيث تلتقي مع شارع "نسيج الحياة" أو "السيادة"، وهو الاسم الذي أطلقه عليه وزير جيش الاحتلال السابق نفتالي بينيت.
المرحلة الأولى: مقطع صور باهر – أم طوبا – الشيخ سعد
تُعد هذه المرحلة أول مقطع من مشروع الشارع الأمريكي، وتبدأ من حاجز "مزموريا" الواقع قرب بلدتي النعمان والخاص، شمال بيت ساحور وجنوب شرق القدس. يعبر هذا المقطع أراضي قرى أم طوبا وصور باهر والشيخ سعد، وقد بدأ العمل فيه بالتزامن مع تنفيذ المقطع الثاني الممتد من الشيخ سعد باتجاه جبل المكبر.
تُقدّر تكلفة هذا الجزء بحوالي مليار شيكل، وشهد تسارعا كبيرا في وتيرة التنفيذ منذ الإعلان عن "الشق السياسي" لما يسمى "صفقة القرن" الأمريكية في عام 2019.
في عام 2020، افتتح الجزء الجنوبي من الطريق الدائري الشرقي، المعروف باسم "الطريق الأمريكي الجنوبي السريع"، أمام حركة المرور، بعد الانتهاء من تشييد الجسر الضخم ضمن المقطع الأول من المشروع. ويهدف هذا الطريق إلى ربط مستوطنات جنوب القدس، بما فيها مستوطنة "هار حوما"، بالطريق الدائري الشرقي الجديد، ما يسهّل الوصول إلى غربي القدس.
وقد صُمم الشارع ليتجاوز "القدس الشرقية" من جهة الشرق، ويُستخدم بشكل رئيسي من قبل المستوطنين للسفر بين بيت لحم، ومستوطنة "معاليه أدوميم"، وشمال القدس وشرق رام الله. أما السكان الفلسطينيون، فلن يُسمح لهم باستخدام الطريق باستثناء المقدسيين الذين يقطنون داخل حدود الجدار الفاصل، حيث يمر الشارع ضمن أراضي القدس، ويُدار دخوله من خلال الحواجز العسكرية.
وفي 16 آذار 2022، أقدمت سلطات الاحتلال على استبدال الجدار المعدني الشائك، الذي كان يفصل بين صور باهر وجبل المكبر من جهة، والشيخ سعد من جهة أخرى، بجدار إسمنتي، في خطوة تعكس إصرار الاحتلال على فرض وقائع جديدة على الأرض، وتسريع وتيرة الضم والتوسع، بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية، بما ينسجم مع رؤية "صفقة القرن".
ويكمن الخطر الأكبر في هذا المقطع من الشارع، في أنه يعزل ما يقارب 6,000 مواطن فلسطيني من أهالي صور باهر عن قريتهم الأم، ويمنعهم من الوصول إلى أكثر من 4,000 دونم من أراضيهم الواقعة ضمن مناطق (أ) و(ب)، والتي تقع خارج حدود بلدية الاحتلال.
المرحلة الثانية من الشارع الأمريكي: مقطع الشيخ سعد – جبل المكبر – عين اللوزة – سلوان
تُعد المرحلة الثانية من مشروع الشارع الأمريكي (الذي يحمل الرقم التخطيطي 101/0379564) جزءا أساسيا من هذا المشروع الاستيطاني الذي أعيد تفعيله عام 1994. بدأت أعمال التنفيذ في هذه المرحلة في أيار/مايو 2016، وتمتد من منطقة الشيخ سعد، مرورا بأحياء جبل المكبر (عويسات، بشير، شقيرات، وجعافرة)، وصولا إلى منطقة عين اللوزة في سلوان.
تبلغ مساحة هذه المرحلة حوالي 400 دونم، منها 350 دونم مخصصة لإقامة بنى تحتية ضخمة تشمل فنادق، مجمعات تجارية وصناعية، سكك حديد، وشبكة شوارع. وبموجب المخطط، تم السماح بنسبة بناء عالية جدا تصل إلى 220% للمشاريع التجارية، مقابل 20% فقط للبناء السكني، وهي نسبة لا تكفي حتى لتغطية المساكن القائمة حاليا في المنطقة.
وبعد اعتراضات عديدة من السكان، درست دائرة التخطيط في بلدية الاحتلال إمكانية رفع نسبة البناء السكني إلى 40%، مقابل تقليص المساحات التجارية إلى 200%، مع ذلك بقي المشروع مهددا لوجود السكان الفلسطينيين، حيث يلتهم أكثر من 90 دونما من أراضي جبل المكبر، ويهدد 57 منزلا بالهدم.
من خلال الجهود القانونية التي قادتها لجنة الدفاع عن الأراضي في جبل المكبر، إضافة إلى 37 اعتراضا فرديا قُدمت عبر مكتب المحامي رائد بشير، تم تعليق أوامر الهدم عن 35 منزلًا لمدة خمس سنوات، انتهت في تموز 2021. وقد أظهرت المعطيات إمكانية ترخيص 22 منزلا فقط، فيما لا تزال المنازل المتبقية مهددة بالإزالة.
سعى السكان كذلك لتقليص عرض الشارع من 32 مترا إلى 24 مترا، وفي بعض الأجزاء إلى 18 مترا، لكن بلدية الاحتلال رفضت جميع المقترحات.
البلدية بدورها تعمدت تقليص المساحة المخصصة للبناء السكني لصالح التوسع التجاري، ضمن سياسة تستهدف السيطرة على أكبر مساحة من الأرض مع أقل عدد من السكان الفلسطينيين، بهدف تغيير التوازن الديمغرافي في المدينة.
من جهة أخرى، فإن طبيعة المشاريع المقرر إقامتها (فنادق، ورش، مناطق صناعية، جسور، أنفاق) تحتاج إلى استثمارات ضخمة، ما يشير إلى أن إدارتها ستكون من قبل رجال أعمال إسرائيليين وأجانب، سيتمتعون بتسهيلات ودعم حكومي واسع. وتشير الخطة إلى إنشاء أطول جسر في الأرض المحتلة، يمتد من وادي قدرون، ويخترق منطقة دير السنة، ليربط بين أبو ديس والسواحرة الشرقية. كما سيُنشأ عدد من الأنفاق، منها نفق أسفل أبو ديس يلتقي بنفق آخر قادم من جبل الزيتون، ويتصل بالحاجز العسكري في الزعيم.
المرحلة الثالثة من الشارع الأمريكي: من عين اللوزة حتى حاجز الزعيم
تمتد المرحلة الثالثة من مشروع الشارع الأمريكي لمسافة تقارب 3 كيلومترات، من بينها حوالي 1.6 كيلومتر تتضمن إنشاء نفقين وجسرين ضخمين. يبدأ النفق من منطقة عين اللوزة في سلوان، ويمر أسفل جبل الزيتون ومشفى المطلع، لينتهي عند حاجز الزعيم شرق القدس، حيث يندمج مع شارع "الطوق الشرقي" (أو شارع السيادة كما يسميه الاحتلال).
تُعتبر هذه المرحلة الأكثر تكلفة وتعقيدا من بين مراحل المشروع، نظرا لحجم الأعمال الهندسية المطلوبة، خاصة الجسر الكبير والنفقين الأساسيين، ما يجعل تنفيذها بطيئا ويعتمد على استكمال مشاريع أخرى مرتبطة بها. وحتى عام 2022، لم تكن أعمال التنفيذ قد بدأت فعليا في هذا المقطع.
في سياق التحضير لتنفيذ هذه المرحلة، أصدر جيش الاحتلال أمرا بمصادرة 55 دونما من أراضي حي الطور الفلسطيني، لاستخدامها في إقامة البنية التحتية اللازمة لهذا الجزء من الطريق.
وتشمل هذه المرحلة استكمال الربط بين شارع "الطوق الشرقي" من جهة، وامتداده نحو مستوطنة "معاليه أدوميم" من جهة أخرى. ويتطلب ذلك شق نفق طويل ومعقد أسفل حي الطور، وهو مشروع عالي التكلفة ولم يُستكمل حتى الآن.
تأخر تنفيذ هذه المرحلة يعود إلى عدة عوامل، أبرزها التكاليف المرتفعة، وصعوبة الأعمال الهندسية، إذ يتضمن الشارع بمجمله خمسة جسور تعبر فوق المناطق الفلسطينية، تم تنفيذ اثنين منها حتى الآن، في مقطع صور باهر وواد الحمص ضمن المرحلة الأولى.
تفاصيل مشروع الشارع الأمريكي الالتفافي وأهدافه
يُعد الشارع الأمريكي الالتفافي طريقا سريعا وضخما يهدف بالدرجة الأولى إلى تسهيل حركة المستوطنين وربط مستعمراتهم غير القانونية في جنوب، وشرق، وشمال شرقي القدس ببعضها البعض. يشكّل هذا المشروع حلقة مركزية ضمن مخطط "الطوق الشرقي" الهادف إلى تطويق المدينة بالمستوطنات، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على محيطها.
يمتد مشروع الشارع الأمريكي الالتفافي على مساحة تُقدّر بـ 382 دونما، ويُعد من أكبر مشاريع البنية التحتية التي تسعى سلطات الاحتلال إلى تنفيذها في شرقي القدس، لما يحمله من أبعاد سياسية، ديمغرافية، واقتصادية.
يتضمن المشروع إنشاء مزيج متكامل من الاستخدامات السكنية والتجارية والصناعية والخدماتية، على النحو التالي:
بناء 713 وحدة سكنية على مساحة إجمالية تبلغ 75,698 مترًا مربعًا.
تشييد مجمعات تجارية على مساحة 48,625 مترًا مربعًا.
إنشاء 570 غرفة فندقية بمساحة بناء تصل إلى 30,000 متر مربع.
إقامة مرافق عامة (مثل المدارس، المراكز الصحية والخدماتية) على مساحة 32,405 متر مربع.
إنشاء مناطق صناعية بمساحة بناء تصل إلى 155,900 متر مربع.
منهجية التخطيط وأهداف الاحتلال
روّجت بلدية الاحتلال لهذا المشروع في أحياء القدس الشرقية تحت غطاء "التمدن والتطوير"، لكنها في الواقع تسعى لفرض وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة على الأرض. وضمن هذه الخطة:
تم تخصيص 20% فقط من الأراضي للبناء السكني، مما يقلص من إمكانية التوسع الفلسطيني، ويُعزز السيطرة الإسرائيلية عبر البناء المكثف في قطاعات أخرى.
المشروع يخلق امتدادا عمرانيا على طول 3 كيلومترات من الطريق المخطط، مع تحديد الحد الأقصى لارتفاع المباني بـ 8 طوابق.
تبلغ المساحة الإجمالية للبناء الجديد في المشروع حوالي 325 ألف متر مربع، تتوزع بين سكني وتجاري وصناعي.
بنية الشارع وأبعاده المستقبلية
يبلغ عرض الشارع الأمريكي الالتفافي 32 مترا، ما يجعله مهيّأً لاحتضان مسار للقطار الخفيف مستقبلا، في إطار رؤية طويلة الأمد لتحويله إلى شريان نقل رئيسي يخدم مخططات الاحتلال. كما تم تخصيص 40 مترا إضافية من الجانبين لمساحات تجارية وصناعية، تعكس توجّه بلدية الاحتلال نحو تحويل المنطقة إلى محور اقتصادي يخدم بالدرجة الأولى المستوطنات ويعزز من اندماجها في النسيج العمراني لغربي القدس.
وتكمن الخطورة في أن المخطط يُشجع على البناء العمودي، ويرافقه هدم عشوائي للمنازل الفلسطينية القائمة، ما يمهّد الطريق لتنفيذ المشروع دون اعتبار للسكان الأصليين. كما يُستخدم الشارع كأداة استراتيجية لربط المستوطنات المحيطة بالقدس ببعضها البعض، وتوسيع نفوذ الاحتلال جغرافيا على حساب الفلسطينيين، في ظل تضييق الخناق على الأحياء العربية ومنع تمددها الطبيعي داخل المدينة.
المصادر:
وكالة نبأ الإخبارية – "الشارع الأمريكي.. مشروع استيطاني يهدد مستقبل القدس":
https://jnagency.net/ar/5840أطروحة منشورة عبر مكتبة جامعة القدس – دراسة تفصيلية عن مشروع الشارع الأمريكي:
رابط الأطروحة PDFتقرير مصوّر عبر فيسبوك – فيديو توعوي حول الشارع الأمريكي وتأثيراته:
https://www.facebook.com/share/v/1BtPAPzBAd/الجزيرة نت – "الطريق الأميركي.. مشروع إسرائيلي جديد لفصل القدس عن محيطها الفلسطيني":
https://www.aljazeera.net/news/2020/6/15/الطريق-الأميركي-مشروع-إسرائيلي-جديدمنصة متراس – "الشارع الأمريكي.. كل الطرق تؤدي إلى طرد المقدسيين":
https://metras.co/الشارع-الأمريكي-كل-الطرق-تؤدي-إلى-طر/
Bimkom – Planners for Planning Rights – "The American Road":
https://bimkom.org/eng/the-american-road/