الغجر المقدسيون (الدوم/النور) في القدس المحتلة
الغجر المقدسيين (المعروفين باسم النور أو الدوم) من أصول هندية قديمة هاجرت إلى بلاد الشام ، فقد وصل بعضهم إلى فلسطين قبل قرون عدة واستقرّ قسم كبير منهم في القدس منذ القرن الثامن عشر الميلادي تقريبًا ويقدر عدد الغجر في القدس بألفين شخص ، يعيشون في مناطق مزدحمة وضيقة . وهناك اقاويل انهم قدموا الى القدس في عهد صلاح الدين الايوبي من شمال العراق وجاؤوا كمحررين و استقروا فيها لهم عاداتهم وتقاليدهم الخاصة . وعلى الرغم من ندرة المعلومات الموثقة عن مراحل هجرتهم المبكرة، إلا أن تاريخهم الشعبي يشير إلى أن أجدادهم جاؤوا كعمّال وحرفيين (على غرار ما تذكر الأساطير والهجرات الهندية التقليدية)، واستمروا في العيش ضمن النسيج الحضري الفلسطيني القديم منذ ما يزيد على أربعة قرون
أماكن السكن في القدس
تتركز تجمعات الغجر المقدسيين بشكل أساسي في أحياء محددة من القدس الشرقية. من أشهر هذه الأحياء البلدة القديمة , لا سيما محيط باب حطة (قرب باب العامود) وشارع برج اللقلق، حيث استقرّوا في مساكن قديمة ومنازل بسيطة. كما كان الغجر يسكنون في منطقة وادي الجوز شرقي البلدة القديمة، إذ كان كثير منهم يعيش في خيام حتى عام 1967 . وتوجد تجمعات أخرى في أحياء سلوان و رأس العامود المجاورة للبلدة القديمة إضافةً إلى مخيّم شعفاط حيث أنشئت بعض المرافق الاجتماعية الحديثة لهم.
نمط الحياة والعادات والمهن
يميل الغجر المقدسيون إلى حياة شبه مستقرة مقارنة بالصورة النمطية للغجر الرحل؛ فهم يعيشون في منازل ثابتة ويوظفون على نطاق واسع المهارات الحرفية والعمل اليدوي. الرجال منهم يعملون كثيرًا في وظائف خدمية مدنية كجامعي النفايات وعمال البناء والصيانة في بلدية القدس، أو كسائقي سيارات وشاحنات، بينما تشارك بعض النساء في أعمال التجهيز الشخصي والمنزلية. ورغم أصولهم الغجرية، فإنهم لا يحتفظون بالعادات الغجرية التقليدية الظاهرة مثل الرقص الشرقي أو الموسيقى الخاصة، فعلى عكس مجتمعات دوم أخرى فإن نساء الجالية المقدسية لا تكنّ لنفسهن فرقًا فنية غجرية. الأغلب أن أسلوب حياتهم اليوم مشابه لأسلوب الحياة الفلسطينية المحيطة: المأكل واحد (يأكلون المقلوبة والمنسف مثل باقي السكان) ويلبسون اللباس العربي المعتاد ويستخدمون اللغة العربية في الحياة اليومية، وإن كان بعضهم يتكلم القليل من لغتهم الأصلية (الدومارية) مع الكبار السن.
الوضع القانوني والاجتماعي عبر الحقب الزمنية
عند عهد السلطنة العثمانية كان الغجر المقدسيون جزءًا من المجتمع الفلسطيني المحلي كبقية الأهالي المسلمين، ولم تسجل مصادر معروفة مميزات قانونية خاصة بهم. ومع دخول العصر البريطاني (1917–1948)، ظل الغجر يعاملون معاملة الفلسطينيين العامّة، لكن اشتدت مشاكلهم الأمنية؛ فقد نُقل في سِجلات ذلك الزمن أن المقاومة الفلسطينية في الثلاثينيات لجأت أحيانًا إلى مخابئهم في مساكنهم الخشبية نتيجةً لذلك أمرت الحكومة البريطانية عام 1939 بإبعادهم من مناطق سكنهم القديمة، فانتقل معظمهم إلى حي باب حطة داخل أسوار المدينة .
بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 وفِرار أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأردن، فرّ عدد من الغجر أيضًا وظل بعضهم داخل القدس الشرقية تحت الحكم الأردني (الذي دام 1948–1967) كبقية أهل البلد.
في حرب عام 1967 احتلت إسرائيل القدس الشرقية وضمّتها قسراً، فأغلب الغجر المقدسيين الذين بقوا في المدينة وجدوا أنفسهم تحت نظام إسرائيلي شامل. ينص القانون الإسرائيلي على تمتع المقيمين العرب في القدس الشرقيّة بإقامات دائمة دون منحهم الجنسية، مما جعل الجالية في مرتبة مواطنين درجة ثانية إلى حد كبير. وقد أدى هذا التقسيم إلى عزل خدمات البنية التحتية والتعليم وحتى الخدمات البلدية، فشُوهد تهميش واضح للأحياء التي يقطنها الغجر من حيث تمويل المدارس والطرق ومرافق المياه والصرف الصحي.
الاندماج والمواطنة والهوية
على الرغم من خصوصيتهم الثقافية، فقد اعتنق الغجر المقدسيون الإسلام وتكاملوا جزئيًا مع المجتمع الفلسطيني؛ فهم يحملون بطاقات هوية فلسطينية (أو إقامات القدس) ويحضرون المدارس المحلية.رغم إن أقل من نصفهم يكمل المرحلة الإعدادية، وتبلغ نسبة العاطلين عن العمل بين الذكور نحو 80%.
النظام المدرسي في القدس الشرقية يخضع لبلدية إسرائيل، فيتعلم تلاميذ الغجر دراسة العربية والعبريّة، في حين تقتصر معرفة أبناء الجالية بالـ«دومارية» على كلمات قليلة لكبار السن).
من الناحية الاجتماعية، كان زواج الغجر المقدسيين حكراً داخل جماعتهم حتى فترة قريبة؛ لكن في السنوات الأخيرة بدأ البعض يتزوج من جيرانهم الفلسطينيين ولا يزال اسمهم يثير الاحتقار بين السكان؛ فالعامية الفلسطينية تطلق عليهم لقب «نوّر» ، وكثيرٌ من الغجر لا يعلنون عن انتمائهم العرقي خشية التمييز . بيد أن بعضهم يظهر اعتزازه بهويته؛ فقد صرح بعض أفراد الجالية أنهم «ليسوا نورًا بل غجر، وهم فخورون بأصولهم الهندية»
العوامل الرئيسة في الاندماج والتماسك الاجتماعي
التعليم: يحضر أطفال الغجر المدارس الرسمية في القدس الشرقية (حسب النظام الإسرائيلي) لكن معدلات التسرب والتراجع الدراسي مرتفعة
الزواج: بقي الزواج داخليًا بالجالية حتى زمن قريب، ثم بدأت حالات الزواج المختلط مع الفلسطينيين المحيطين يظهر أثرها
المواطنة والهوية: يحمل معظمهم بطاقات هوية فلسطينية/إسرائيليّة شرقيّة ويعتنقون الإسلام، لكن هويتهم الغجرية تُواجه وصمة اجتماعية قوية
التحولات الأخيرة في المجتمع الغجري المقدسي
شهد المجتمع الغجري المقدسي منذ عقدين خطوات نحو التنظيم والمطالبة بحقوقه. ففي عام 1999 تأسست "جمعية دوماري للغجر في القدس " برئاسة الأخت أمون سليم، وهو تجمع مدني غير رسمي يسعى للحفاظ على الثقافة الغجرية ودعم التعليم والمشاريع الاقتصادية لأبنائهم , وقد أنشأت الجمعية مركزًا مجتمعيًا في مخيّم شعفاط يُقدم دروسًا ودورات تدريبية (مثل دورات تصفيف الشعر والتدريب المهني) ويدعم التعليم للأطفال والبالغين.
تسعى هذه المبادرات إلى تعزيز الوعي بهوية الغجر والحيلولة دون انقراض لغة الدومارية وتقاليدهم التراثية، كما تعمل على تشجيع الفتيات على إكمال تعليمهن وتمكينهن اقتصادياً في مجتمع تقليدي يغلب عليه الطابع الذكوري بالرغم من هذه الجهود، لا تزال عضوات الجالية الغجرية تواجهن رفضًا أحيانًا من بعض أفراد المجتمع الذكور على نشاطهن العام .
أبرز التحديات الراهنة
تواجه الجالية الغجرية المقدسية مزيجًا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:
الفقر والبطالة: تعاني الأسر الغجرية معدلات بطالة عالية بين الشباب الذكور (أكثر من 80%) ونسب فقر مدقعٍ نسبيًا.
الزواج المبكر للفتيات حيث لا تحصل على قسط من التعليم
التمييز الاجتماعي: لا تزال كلمة «نوّر» تحمل مدلولات ازدرائية عند كثير من الفلسطينيين، ويتعرض الغجر لسلوكيات تهديد أو إهانة في الشارع وأحيانًا في المدارس
ضعف الخدمات : نظرًا لإقامتهم في مناطق القدس الشرقية ، يواجهون نقصًا في البنية التحتية (طرق، مياه، صرف صحي) ودعم المدارس المحلية.
ضعف التحصيل العلمي : يغادر كثير منهم المدارس باكرًا، مما يحول دون حصولهم على مؤهلات تتيح فرص عمل أفضل.
فقدان اللغة والهوية : مع تراجع استعمال الدومارية بين الشباب وسلطة الثقافة العربية المحيطة، قد تختفي تدريجياً معالم هويتهم الخاصة .
الحواجز الجغرافية والسياسية: أدت إجراءات الاحتلال، خصوصًا بناء جدار الفصل وإغلاق المعابر، إلى تفريق العائلات الغجرية، كما صعّبت عليهم التنقل بين القدس والضفة وغزة بحثًا عن عمل أو زواج
تجمع كل هذه العوامل تحديًا على استمرار الجالية المقدسية الغجرية في الحفاظ على هويتها وتحسين ظروفها المعيشية. تظل الحاجة قائمة إلى سياسات تنموية تدمجهم بالمجتمع الفلسطيني وتوفر خدمات خاصة (كالتعليم المهني ودعم المشاريع الصغيرة) لضمان مستقبل أفضل للجيل الجديد من الغجر في القدس .
المصادر